محمد بن الطيب الباقلاني
30
إعجاز القرآن
على أنه لو كانوا صرفوا على ما ادعاه ، لم يكن من قبلهم من أهل الجاهلية مصروفين عما كان يعدل به في الفصاحة والبلاغة وحسن النظم وعجيب الرصف . لأنهم لم يتحدوا إليه ، ولم تلزمهم حجته . فلما لم يوجد في كلامه من قبله مثله ، علم أن ما ادعاه القائل " بالصرفة " ظاهر البطلان . وفيه معنى آخر ، وهو : أن أهل الصنعة في هذا الشأن إذا سمعوا كلاما مطمعا لم يخف عليهم ، ولم يشتبه لديهم . ومن كان متناهيا في فصاحته لم يجز أن يطمع في مثل هذا القرآن بحال . فإن قال صاحب السؤال : إنه قد يطمع في ذلك . قيل له : أنت تزيد على هذا فتزعم أن كلام الآدمي قد يضارع القرآن ، وقد يزيد / عليه في الفصاحة ولا يتحاشاه ، ويحسب أن ما ألفه ( 1 ) في الجزء والطفرة هو أبدع وأغرب من القرآن لفظا ومعنى ! ولكن ليس الكلام على ما يقدره مقدر في نفسه ، ويحسبه ظان من أمره . والمرجوع في هذا إلى جملة الفصحاء دون الآحاد . ونحن نبين بعد هذا وجه امتناعه عن الفصيح البليغ ، ونميزه في ذلك عن سائر أجناس الخطاب ، ليعلم أن ما يقدره من مساواة كلام الناس به تقدير ظاهر الخطأ ببين الغلط ، وأن هذا التقدير من جنس من حكى الله تعالى قوله في محكم كتابه : ( إنه فكر وقدر فقتل كيف قدر ، ثم قتل كيف قدر ، ثم نظر ، ثم عبس وبسر ، ثم أدبر واستكبر ، فقال إن هذا إلا سحر يؤثر ، إن هذا إلا قول البشر ) ( 2 ) فهم يعبرون عن دعواهم : أنهم يمكنهم أن يقولوا مثله ، وأن ( 3 ) ذلك من قول البشر ، لان ما كان من قولهم فليس يقع فيه التفاضل إلى الحد الذي يتجاوز إمكان معارضته . ومما يبطل ما ذكروه من القول " بالصرفة " أنه لو كانت المعارضة ممكنة - وإنما منع منها " الصرفة " - لم يكن الكلام معجزا . وإنما يكون المنع هو المعجز ( 4 ) ، فلا يتضمن الكلام فضيلة على غيره في نفسه .
--> ( 1 ) م : " أن ما قد ألفه " ( 2 ) سورة المدثر : 18 - 25 ( 3 ) س : " بأن " ( 4 ) س : " المنع معجزا "